نيروبي، كينيا – في خطوة استراتيجية تؤكد تحولها من مجرد الاستجابة للأزمات إلى العمل الوقائي الاستباقي، شاركت الهيئة الوطنية لإدارة الكوارث الصومالية (صـودما) بفعالية في ورشة عمل إقليمية رفيعة المستوى عُقدت في العاصمة الكينية، نيروبي. الورشة، التي جرت في الفترة من 2 إلى 3 من الشهر الجاري، كانت جزءًا من مشروع “المشاورات الوطنية لأصحاب المصلحة في الصومال”، وهو ما يمثل نقلة نوعية في منهجيات الإدارة الإنسانية بالقرن الإفريقي.
هذه المبادرة الرائدة، التي قادها مركز التنبؤ بالمناخ والتطبيقات المتعددة لمنطقة إيغاد (ICPAC) بالتعاون مع شركاء دوليين رئيسيين مثل برنامج الأغذية العالمي (WFP)، ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، والمكتب الإنساني للمفوضية الأوروبية (ECHO)، تجسد رؤية الحكومة الصومالية في بناء قدرات وطنية للصمود أمام التحديات المتزايدة.
من الاستجابة إلى الاستباقية: نهج جديد يتبناه الصومال
يُشكّل نهج العمل الاستباقي نقلة استراتيجية تتوافق تماماً مع واقع الصومال والمنطقة، حيث يربط بين التنبؤات العلمية الدقيقة والإجراءات العملية الفورية. هذا الربط المباشر يُمكّن صـودما وشركاءها من التدخل السريع بتقديم المساعدات والتدابير الوقائية قبل وقوع الكارثة، سواء كانت فيضانات مدمرة أو جفافاً حاداً أو صدمات أمنية.
وفي كلمته الافتتاحية خلال الورشة، أكد الدكتور أحمد عبدي آذن، نائب رئيس الهيئة الوطنية لإدارة الكوارث الصومالية (صـودما)، على أهمية هذا التحول قائلاً: “تتمثل رؤيتنا الوطنية في الانتقال من مرحلة إطفاء الحرائق إلى بناء أساس قوي للمرونة. إن تبني العمل الاستباقي هو التزام راسخ من حكومتنا بوضع مواطنينا في صدارة أولوياتنا.”
وأضاف الدكتور آذن: “القرن الإفريقي يواجه مخاطر متفاقمة، وهذا المشروع يأتي في وقت حاسم لتمكيننا من حماية الأصول والموارد، وخاصة الثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية، وتقليل معاناة الناس قبل فوات الأوان.”
ومن جانبه، أكد أوليفييه بروانت من المكتب الإنساني للمفوضية الأوروبية أن “علينا ألا نكون مستعدين فحسب، بل علينا أن نكون جاهزين”، وهو ما يلخص جوهر هذه الاستراتيجية التي تسعى لتحويل التنبؤات إلى إجراءات عملية تُقلل بشكل كبير من الخسائر في الأرواح والممتلكات.
صـودما: التزام وطني بمستقبل أكثر أمانًا
تأتي مشاركة صـودما في هذه الشراكة من منطلق رؤيتها الشاملة لمواجهة التحديات المتشابكة في البلاد. يركز المشروع بشكل أساسي على:
* المخاطر المتعددة: حيث يعالج التهديدات المتشابكة مثل الجفاف، والفيضانات، والأمراض، وحالات النزوح، مما يعزز قدرة الهيئة على بناء خطط استجابة مرنة وشاملة.
* الحساسية للنزاعات: يضمن هذا النهج أن جميع التدخلات الإنسانية تُنفذ بطريقة لا تؤجج التوترات، مما يعزز من الاستقرار الاجتماعي والسلام في المجتمعات المحلية.
وفي كلمته الختامية التي اختتم بها الورشة، أكد الدكتور أحمد عبدي آذن مجدداً على الرؤية الوطنية، قائلاً: “نحن على ثقة بأن هذا النهج سيعزز من قدرتنا على الاستجابة الفعالة والمستدامة، مما يسهم في توفير الأمن والاستقرار لشعبنا، ويؤكد على مكانة الصومال كقائد إقليمي في هذا المجال. هذه المشاركة ليست مجرد خطوة في مشروع عابر، بل هي تعبير عن إرادة وطنية صلبة نحو بناء مستقبل أكثر أمانًا ومرونة للشعب الصومالي، عبر تبني الابتكار والتعاون الدولي.”
وفي الختام، يمثل هذا التوجه الاستباقي من قبل صـودما ليس فقط استراتيجية فنية جديدة، بل هو إعلان عن فجر جديد في مسيرة الصومال نحو الاعتماد على الذات والصمود. إنها رؤية طموحة تتحول من الأحلام إلى الخطط، ومن الخطط إلى الإجراءات، لترسم معالم وطن قادر على حماية أبنائه، مستلهمًا القوة من التضامن ومبنيًا على أساس متين من التعاون الإقليمي والدولي. إن الصومال اليوم لا ينتظر الكارثة، بل يصنع مستقبله بنفسه.



















0 Comments